تائهة
![]() |
تائهة |
لم تنم.. انتصف اللّيل واقتربت السّاعة من الثّانية.. الفجر على مسافة
قصيرة، بين ظلام وضياء تبدو غرفة نوم التّائهة ساكنة هادئة.. لم تشأ أن تشعل
السهّارة.. مسحت بكفّها على رأسها.. الشّعر منفلت في كلّ الاتّجاهات.. خلّلته
بأصابعها فزادته انفلاتا.. اقتربت من السّتارة، أخذت تحدّق فيها.. لم تتبيّن
نمنماتها.. ليس يسيرا أن تتبيّن خطّا أو نقطة أو صورة.. الظّلمة جاثمة مثل كابوس
ثقيل.. أحجمت عن إزاحة السّتارة.. ما الفائدة من النّظر إلى ما وراء بلّور
النّافذة ما دامت على يقين من أنّ الغيوم تغطّي صفّ الأشجار والبناءات وإسفلت
الطّريق والأرصفة.. استدارت، اتّكأت على حاشية السّرير.. ظلّت ممسكة بلوح الخشب،
منصهرة في المكان، في مساحة ضيّقة بين السّرير وخزانة الملابس.. لو تقدّمت خطوة
وفتحت الخزانة فلن ترى شيئا.. إحساس عابر يغدو ويروح، يملي عليها ألّا تشعل
النّور.. إحساس عابر أطرد النّوم من عينيها وأجبرها على إبقاء رموشها مفتّحة..
لكنّ إحساسا آخر مضادّا يغمرها ويرزح تحت ثقله كامل جسدها.. بينها وبين مربّعات الرّخام
الّتي تقف عليها مسافة لحظة كي تجثو على ركبتيها وتتمدّد على الرّخام الأبيض الّذي
شقّته خطوط متعامدة رقيقة الأطراف غليظة الجذور.. دفعها الإحساس إلى النّظر تحت
قدميها، حدّقت في الصّور الفسيفسائيّة دون أن ترى شيئا.. أملى عليها الإحساس أن
تتمدّد على الرّخام فيستنشق جسدها البرودة، ويداعب صدرها ملمس الرّخام الرّطب.. لا
غرابة أن تنتفض الفسيفساء من مراقدها صفراء وحمراء وخضراء وزرقاء وشفقيّة وغسقيّة
وساطعة وخافتة.. آنئذ قد تستقرّ نبضات القلب وتتّخذ نسقها العاديّ، وآنئذ يمكن لها
أن تنهض وتشعل نور السهّارة وتدخل المطبخ وتحضر قهوة سوداء لا مرّة ولا حلوة، تضعها
في الطّبق الفضّيّ، تزيح السّتارة وتفتح النّافذة وتسرّح نظرها في الأمكنة المحيطة،
تترشّف القهوة على مهل وتنتظر أن تفتح شبابيك الجيران، وتتنفّس المصابيح من خلفها..
ولعلّ نظرها يحطّ على ملامح تلك الّتي شاهدتها أو ذاك الّذي شاهدته ذات مرّة خارجا
من باب العمارة المقابلة مارّا أمام أبواب بناية مجاورة، عائدا إلى العمارة الّتي
خرج منها ثمّ مختفيا وراء الأبواب.. لعلّها، لعلّه اقتنى البنّ من الدّكّان
القريب، ودخل المطبخ وأحضر قهوة لا مرّة ولا حلوة.. وجلست أو جلس عند النّافذة تترشّف
أو يترشّف، تحدّق أو يحدّق في الأمكنة المحيطة.
جادت السّماء بقطرات مطر غليظة تساقطت على لوح الشبابيك فأحدثت أنغاما
صاخبة أطردت كلّ الأحاسيس المتضادّة داخلها.. الآن لا مناص من أن تشعل النّور، لتحتفل
برشقات المطر، وبقصف الرّعود وبخفق البروق.. ستضيئ غرفة النّوم، بل كلّ الغرف،
المطبخ وبيت الغسيل، وقاعة الجلوس الفسيحة وبيت الاستحمام.. وعلى ضوء المصابيح
ستشعل الشّموع وتطفئ الأضواء، ستوزّع الشّموع على أركان الشقّة، ستقرّب منها عود
الكبريت بهدوء كامل حتّى يلتقي الإحساس المتفجّر من أصابعها بإحساس الشّمع المنبعث
من طبقة رطبة ليّنة وقد صافحتها شعلة النّار.. ستتمتّع بالنّور المنبعث من كلّ
شمعة على حدة ومن كلّ الشّموع ذات الألوان القزحيّة حمراء وصفراء وزرقاء وشفقيّة
وغسقيّة.. ستشاهد من خلالها بتلات شقائق النّعمان والأقحوان والفلّ والياسمين
ونوّار اللّوز ونوّار التّين الشّوكي.. ستهدأ الخواطر وتسكن الأحاسيس لتعود التّائهة
إلى السّرير وتضع رأسها على المخدّة.
ولكن قبل ذلك، ستقترب من السّتارة، تزيحها وتفتح النّافذة، تتابع بنظرها
جداول الماء تجري بمحاذاة الأرصفة، ستستمع إلى صداح العصافير، وهديل الحمام وهو
يتنقّل فوق حواشي البناءات العالية يناغي بعضه بعضا، ويدكّ مناقيره في الأرض وينفش
ريشه ويصدر هديلا يختزل أشهر سمفونيّات العالم.. ستتكّئ على حافّة النّافذة وتبحث
ببصرها في شبابيك البناءات المقابلة فقد يطلّ، ويتّكئ مثلها على حافة شبّاك غرفة
نومه، وقد تطلّ هي - تلك الأخرى - وتلتصق بحافة الشبّاك ويدها تعبث بحاشية
السّتارة، يلهث نظرها من نافذة إلى أخرى.. ستضع أصابعها في شعرها تخلّله بقوّة
قهرا وحسرة ونكدا.. لا.. هو أطلّ من النّافذة، وربّما أطلّ بعد أن اختفت.. ما هذا
النّكد؟
الشّوق يعصف بالقلب كما تعصف الرّيح بغصن شجرة.. كلّ القلوب مشتاقة فما
الّذي جرى؟ بين قلب وآخر ستارة.. النّظر لا يحطّ إلاّ على الكتل الإسمنتيّة
وحاويات الفضلات والسيّارات تنفث الدّخان الكثيف وسط هواء ثقيل متعفّن.. النّظر
يحاول أن يخترق الجدران لينعم بدفء الغرف دون جدوى.
ماذا تفعل التّائهة إذا استبدّ بها الحنين؟ لا شيء، سوى أن تدفن واقعها في ما
مضى.. تغمض عينيها وتقهر كلّ الأضواء، ضياء الشّمس ونور القمر ومصابيح المدينة.
تردّدت، همّت بأن تشعل النّور.. تردّدت، همّت بأن تزيح السّتارة وتنظر من
خلال زجاج النّافذة، تردّدت ثمّ تردّدت ثمّ تردّدت.. همّت وهي واقفة بجانب مكتبتها
أن تخرج كتابا أو مجلّة.. لو فعلت دون ترتعش أصابعها فسيتضوّع الطّيب من الأوراق
وسيدفع بها الشّوق إلى أن تغمس أصابعها في حبر الكتابة تشقّ صدر كلّ حرف، كلّ كلمة
حتّى تستفيق من سباتها، تتمرّد على أكفانها، تعتصر، تتلوّى، تنتفض، تخرج من ألياف
الورق، تتحوّل إلى صورة وملامح، شفاه وعيون وأنوف وخدود وقامات سويّة كتلك،
كاللاّتي عرفتهنّ، كذاك، كالّذين عرفتهم ذات أيّام، ذات أشهر متعاقبة، كذاك الّذي
عرفته عن قرب، كلّما أقبل، أقبل حاملا المجلاّت والكتب والهدايا، يرتّب الأشياء
الثّمينة في مواضعها بعناية الفنّانين ومحرّري اليوميّات ومبدعي القصص البوليسيّة
والمولعين بالرّسم والسّاهرين في محراب النّحت.
لم تشأ أن تغرز أصابعها في الورق، خافت من أن يتمرّد الورق على الأصابع،
يتمسّك بحروفه وكلماته فلا يفرّط في سطر ولا حرف من سطر.
ما أقسى الزّمن! والورق بعض هذا الزّمن.
تلمّست الطّريق إلى الفراش، دخلت تحت الأغطية النّاعمة.. كان الشّتاء باردا لكنّ الذّكريات متأجّجة.. وكان اللّيل طويلا وقطرات المطر تتساقط على خشب النّوافذ.. كلّ شيء يدعو إلى النّوم، والنّوم يدعو صاحبته إلى النّسيان لكنّ الجفون مفتّحة تأبى أن تنطبق على بعضها.
عبد القادر بن الحاج نصر
فيفري 2024

تعليقات